الأعياد الوطنية لدول الخليج العربي ليست مجرد تواريخ في التقويم تُوجب إجازة رسمية، بل هي محطات تأسيسية في ذاكرة أمم حديثة النشأة وسريعة التحول. الفجوة الزمنية بين تأسيس أقدم هذه الدول وأحدثها لا تتجاوز خمسة وستين عاماً، وهو أمد قصير في المقياس التاريخي لكنه شهد تحولات بنيوية هائلة تراكمت فيها طبقات الذاكرة الجمعية التي تحتفل بها هذه الأمم اليوم في أعيادها الوطنية.
في هذه المحطات التاريخية ما هو أعمق من مجرد يوم راحة وعطلة رسمية. فيها مرجعية الهوية الجمعية التي تُحدد ما تعتز به كل دولة وما تعتبره تعريفاً لوجودها بين الأمم، وهي بهذا المعنى وثيقة حضارية حية لا تقل أهميةً عن الدساتير والمعاهدات.
المملكة العربية السعودية — الثالث والعشرون من سبتمبر وما سبقه
اليوم الوطني السعودي في الثالث والعشرين من سبتمبر يُحيي ذكرى إعلان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932م. غير أن المملكة لم تحتفل رسمياً بهذا اليوم كعيد وطني إلا في وقت متأخر نسبياً، إذ ظل الاحتفال به لعقود طويلة أمراً غير مشجَّع رسمياً في ظل حساسيات دينية تتعلق بتعظيم الأيام بغير مسوّغ شرعي. التحول نحو الاحتفال الشعبي الواسع جاء تدريجياً مع مطلع الألفية الثالثة وتسارع بصورة لافتة في إطار التحولات الاجتماعية والثقافية الكبرى التي شهدتها المملكة منذ عام 2016.
وفي عام 2022 أضافت المملكة يوماً ثانياً لمنظومتها الاحتفالية الوطنية بتخصيص الثاني والعشرين من فبراير يوم تأسيس يُحيي ذكرى نشأة الدولة السعودية الأولى عام 1727م في الدرعية على يد الإمام محمد بن سعود. هذا القرار يعكس توجهاً لتعميق الجذور التاريخية للهوية السعودية وربط الدولة الحديثة بتراث يمتد لثلاثة قرون.
الإمارات العربية المتحدة — الثاني من ديسمبر وقصة اتحاد استثنائي
يُحيي اليوم الوطني الإماراتي في الثاني من ديسمبر ذكرى قيام اتحاد الإمارات العربية السبع عام 1971م، وهو حدث استثنائي في تاريخ الخليج لأنه وحّد ست إمارات في بادئه ثم انضمت إليها رأس الخيمة لاحقاً في مسيرة بناء دولة اتحادية حديثة. ما يجعل هذا اليوم مميزاً في طبيعة الاحتفال أنه يُبرز بوضوح الروح الاتحادية والهوية الجامعة التي تسمو فوق الانتماءات الإمارة أو القبلية.
تطور الاحتفال بالعيد الوطني الإماراتي ليصبح من أضخم التظاهرات الوطنية في المنطقة العربية، يشارك فيه المواطن والمقيم على حد سواء في مشهد لافت يعكس الطابع التعددي للمجتمع الإماراتي. وقد شهدت الاحتفالات تطوراً هائلاً من مسيرات رسمية محدودة إلى فعاليات شاملة تمتد أسابيع تتضمن عروضاً جوية وبرية وبحرية وأنشطة ثقافية وترفيهية متنوعة.
الكويت — يومان وطنيان وقصة مقاومة لا تُنسى
تمتلك الكويت منظومة احتفالية وطنية فريدة إذ تحتفل بيومين وطنيين في أسبوع واحد. الخامس والعشرون من فبراير هو اليوم الوطني الذي يُحيي ذكرى تولّي الشيخ عبد الله السالم الصباح مقاليد الحكم عام 1950م وانطلاق مسيرة الكويت نحو الاستقلال الحديث. والسادس والعشرون من فبراير هو يوم التحرير الذي يُحيي ذكرى تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991م.
يوم التحرير يحمل بعداً عاطفياً استثنائياً في الوجدان الكويتي لأنه لا يُحيي مجرد حدث تاريخي بل يُجسّد قصة مقاومة وصمود وعودة للوطن بعد محنة الاحتلال التي جمعت الكويتيين خلف هوية وطنية راسخة. ويُلاحظ المراقبون أن الكويتيين يحتفلون بيوم التحرير بحماس لا يقل عن احتفالهم باليوم الوطني وربما يزيد في بعض السنوات.
قطر والبحرين وعُمان — أعياد وطنية بطوابع مختلفة
يصادف اليوم الوطني القطري الثامن عشر من ديسمبر ذكرى تولّي الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني رئاسة قطر عام 1878م، وهو تاريخ يعكس اختياراً قطرياً لإبراز عمق الجذور التاريخية لا الاستقلال الحديث فحسب. أما يوم الثاني عشر من ديسمبر فيُحيي ذكرى قيام دولة البحرين المستقلة عام 1971م في احتفالات تعكس خصوصية الهوية البحرانية وتنوعها الثقافي الضارب في أعماق التاريخ الخليجي.
تختلف عُمان عن سائر دول الخليج في أن عيدها الوطني في الثامن عشر من نوفمبر يُحيي ذكرى ميلاد السلطان قابوس بن سعيد عام 1940م لا استقلال الدولة، وهو اختيار يعكس المكانة الاستثنائية التي احتلها السلطان الراحل في بناء الدولة العُمانية الحديثة وتحديثها من شبه الانعزال إلى دولة حديثة منفتحة خلال عقود قليلة.
المعلومات التاريخية موثقة من المصادر الرسمية لكل دولة.